أخباراخر الاخبار

اضطراب ما بعد الصدمة من الوباء «كورونا» لدى المجتمع الكويتي.. بقلم: أ.د.سميرة علي المذكوري

اضطراب مـا بعـد الصـدمة عرفتــه الجمعية الأميركيــة للطــب النفســي بأنه فئــة مــن فئــات اضطرابات القلق، حيث يتعـرض الفـرد لحـدث ضـاغط نفسـي أو جسـمي غيـر عـادي فـي بعـض الأحيـان بعد التعرض مباشرة لأحداث مؤلمة، ومن ثم إحساسه وشعوره باستمرارية ومعاودة التفكير في تلك الخبـرة والحـدث السلبي، مما يتسبب في شعوره بالخوف والقلق والتوتر وعدم التركيز والنوم والاكتئاب بشكل دائم . 

– كما أشار الدليل التشخيصي الصادر عن جمعية الطب النفسي إلى ان الصدمة تحدث تأثيرات معرفية ووجدانية وسلوكية في الفرد، وأطلق عليها اضطراب ضغط ما بعد الصدمة (PTSD Post-traumatic Stress Disorder).

يواجه الإنسان أحداثا عديدة في حياتة، البعض يراها بأنهـا احداث عاديـة طبيعية يستطيع ان يتكيف ويتعايش معها، وهناك البعض الآخر يراها بأنهـا احداث غيـر عاديـة وغير طبيعية، ويعيش الفرد حالة من الهلع والخوف والقلق، وتقـع الخبرات العصبية الضـاغطة والصـدمات العنيفـة الموجعـة تحـت الفئـة الثانية التـي يعـد المـرور بهـا وتجربتهـا خبـرة صـدمية عنيفـة.

والحـوادث الصـدمية عمومـاً موجـودة منـــذ الأزل بعضـــها من الطبيعة كالزلازل والفيضانات والبراكين والأوبئة، وأخرى من صنع الإنسان كحوادث السيارات وانفجارات مفاعلات نووية وحروب وجرائم مختلفة على سبيل المثال (قتل، اغتصاب.. الخ) يرتكبها الانسان بنفسه ضد الآخر.

ويعــرف الضــغط بأنــه العمليــة التــي تفــرض فيهــا الحــوادث البيئيــة أو الضــغوط عبئــا ثقــيلا على الإنسان، فلا يستطيع مواجهتها أو تمثـل تهديـدا لـه ويتعـين عليـه أثنـاء الضـغط أن يجـد طرقـا للتعامـل والتعايش مع الضغوط.

ويقصـد بالضغوط النفسية أو مثيرات المشـقة تلك الأحـداث والمواقـف السـلبية التـي يتعـرض لهـا الفـرد فـي حياتـــه ويكـــون لهـــا مـــردود ســـلبي على صـــحته النفســـية والجسدية عنـــدما يفشـــل فـــي مواجهتهـــا أو

التعايش معها .

وتعرف الصدمة بأنها أي حدث يهاجم الإنسان ويخترق الجهاز الدفاعي لديـه مـع إمكانيـة تأثيره على حيـاة الفــرد بشـدة، وقـد ينــتج عـن هـذا تغيرات فـي الشخصـية أو مــرض عضوي جسدي (سيكوسوماتي) إذا لـم يــتم الــتحكم فيها والتعامــل معها وعلاجها بســرعة وفاعليــة.

وتــؤدي الصــدمة إلــي نشــأة الخــوف العميــق والعجــز والرعب.

فالصـدمة خبـرة قاسـية أو شـديدة قـد تكـون جسـمية أوعقليـة أو نفسية أو عاطفيـة وتـؤثر تأثيرًا كبيراً فـي شخصـية الفـرد، وقـد تصـل إلى حـد الاضـطراب النفســي أو العقلــي أو الجســمي، وقــد يكــون هــذا الاضطراب دائمــا وقــد يــزول بعــد فتــرة مــن الــزمن وعنـد تعـرض الإنسـان للصـدمة فإنه يعجـز عـن القيـام بالسلوك الطبيعي وممارسة حياته الاعتيادية، أو اتخـاذ القرار الصـائب في شؤون حياته من جراء تأثير الصدمة على طريقة تفكيره، بل من الممكن ان يتوقف عن أنشطته في الحياة ويتصــف الموقــف الصــدمي بكونــه اكبــر مــن طاقــة الإنســان علــى الاحتمــال.

وتؤكد العالمة جانيـت «أنه إذا مـا فكـر شـخص بـالهرب مـن ذكـرى حادثـة مؤلمـة عـن طريـق الرحيـل بعيدا من مكانه فإن الحزن يصعد على كاهله ويسافر معه أينما رحل».

ومن الملاحظ حاليا مع أزمة الكورونا شعور جميع أفراد المجتمع الكويتي بكل فئاته الجنسية من ذكور واناث وفئاته العمرية أيضاً من أطفال وشباب وشيوخ بالخوف الشديد بل يصل الى شدة الهلع ايضا عند البعض منهم على نفسه وعلى من حولّ من أسرته وأحبائه، مما يتسبب بضغط نفسي كبير.

حيث ستظهر لاحقا عدة عوارض نفسية وجسدية على الفرد منها العزلة والابتعاد عن المحيط الاجتماعي وتبلد الأفكـار وتكرار الصور للموقف الضاغط ، الحزن، الخوف، القلق بشكل مستمر واضطراب في النوم بشكل كبير، وقد يحدث اضطراب مـا بعـد الصـدمة فـي أي مرحلة عمـرية او في اي لحظة ما بعد الأزمة.

ويمكن أن تظهـر الأعراض بعـد الحـدث الصـادم مباشـرة أو بعـد عدة أشهر، حيث يشعر الفـرد بقصـور فـي الجوانب العقلية التفكيرية الوظيفية والبيولوجية واختلال سلوكي وسيكولوجي معاً.

فإن اضطراب مـــا بعـــد الصـــدمة يهدد حياة الاطفال والمراهقين بالذات من حيث تأكيد فرويد على ان الأمراض النفسية ما هي إلا بقايا خبرات صادمة في مرحلة الطفولة، وعليه لابد من مراقبة سلامة تلك الفئة العمرية من خلال السلامة النفسية والجسـدية والتي ستظهر أعراضها جلية بعد انتهاء الأزمة الوبائية على الاطفال بشكل كبير، وذلك لنقص المهارات لدى الاطفال في مواجهة الضغوط والصدمات وعدم المرونة النفسية، بالاضافة الى ما شهده الاطفال من خوف وتوتر وقلق شديد من قبل تصرف الوالدين وردود افعالهم حول متابعة الأحداث بخوف حاد وقلق شديد، وتركيزهم على عدم الخروج والعزلة الاجتماعية بشكل تام حتى لزيارة أجدادهم وأقربائهم فجأة وبدون مقدمات، وايضا حرمانهم من ابسط انواع المتع بالحياة وهي الجوانب الترويحية التي اعتاد عليها الطفل بحياته الماضية.

فمن خلال رصدنا لبعض الحالات خلال هذه الأزمة الجائحة في العيادة النفسية، نرى ان من واجبنا ان نبدأ بسرعة في البحث للتخلص وتقديم طرق العلاج المعرفي

والسلوكي، وان احتاج الأمر يصل المريض الى استخدام بعض الأدوية والمهدئات لفترة من الزمن.

لذا، فإن هناك حاجة ضرورية لدراسة الآثار الناجمة لما بعد انتهاء الأزمة الجائحة ( الكورونا) للمجتمع الكويتي.

* عضو هيئة تدريس بكلية التربية الاساسية قسم علم النفس

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق