اقتصاد

بين أصحاب الأعمال والعاملين والملاك والمستأجرين.. مع من يقف القانون لمواجهة «كورونا»؟

  • من قواعد العدالة الاجتماعية الاتفاق الودي بين أرباب العمل والعمال في ظل الظروف الاستثنائية
  • قرار خفض الإيجار يعود للملاك وما قد يستشعرونه من المحافظة على المستأجرين والتكاتف مع المجتمع

في ظل تفشي فيروس كورونا بالكويت ظهرت إشكاليات قانونية عديدة ومعقدة لم تكن في الحسبان، خاصة بعد تطبيق الإجراءات الاحترازية وإغلاق اغلب الأنشطة الاقتصادية للحد من انتشار الوباء، وما نتج عنها من تداعيات ألقت بثقلها على كاهل أصحاب الاعمال والعاملين على حد سواء.

وفي هذا الإطار، كان لمجموعة الحصبان والسويفان القانونية دراسة قانونية أعدت للرد على الاستفسارات التي وردت الى مكتب المحامي ناصر الحصبان، والمحامي خالد السويفان من أصحاب الأعمال والشركات حول أوضاعهم القانونية مع العاملين لديهم خلال فترة الوباء، وعما اذا كان العاملون يستحقون رواتب عن تلك الفترة، وكذلك العلاقة بينهم وبين ملاك العقارات الذين يستأجرون منهم أماكن العمل ومدى استحقاقهم القيمة الإيجارية من عدمه.

وفيما يلي مضمون الدراسة القانونية:

أولا: هل وباء كورونا تنطبق عليه نظرية الحوادث الطارئة أو الاستثنائية؟

تعريف الحادث الاستثنائي قد يكون تشريعا أو عملا قانونيا أو واقعة مادية، ولكنه يتعين في جميع الأحوال أن يكون نادر الوقوع، وأن يكون عاما أي غير مقصور على المدين كإفلاسه أو موته أو حريق متجره، بل يجب أن يكون شاملا في آثاره لطائفة كبيرة كأهل بلد أو إقليم أو طائفة، ومن أمثلة على ذلك الحوادث الاستثنائية العامة (الحرب والاستيلاء الإداري والارتفاع أو الهبوط الفاحش في الأسعار أو انتشار وباء) ويجب أن يطرأ الحادث بعد إبرام العقد وقبل تنفيذه.

وقد نصت المادة 198 من القانون المدني الكويتي على أنه:

«اذا طرأت بعد العقد وقبل تمام تنفيذه ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها عند إبرامه وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام الناشئ عنه وان لم يصبح مستحيلا صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول بأن يضيق من مداه أو يزيد في مقابله ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك».

ومؤدى هذا النص وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية للقانون المدني أنه: «اذا حدث بعد انعقاد العقد وقبل تمام تنفيذ الالتزام الناشئ عنه أن وقعت نازلة استثنائية عامة لم تكن في الحسبان ولم يكن في الوسع توقعها عند التعاقد، وكان من شأن هذه النازلة أن أصبح تنفيذ الالتزام وان ظل ممكنا – شديد الإرهاق بالمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة فإنه يجوز للقاضي بناء على طلب المدين وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول – وللقاضي في هذا المجال أن ينقص في مدى التزام المدين أو يزيد في الالتزام المقابل على النحو الذي تقتضيه قواعد العدالة الاجتماعية والحكم الذي تقرره المادة 198 اعتبارا بأن يضفي حماية فعالة على العاقد الذي بات بسبب ظرف طارئ لم يكن في الوسع توقعه مهددا بخسارة فادحة يمس النظام العام ومن ثم يقع باطلا كل اتفاق على ما يخالفه».

واذا كان من شأن أعمال حكم المادة 198 أن تثبت للقاضي في صدد العقد السلطة في تعديل آثاره متجاوزا في ذلك حدود سلطته الأصلية، فإنه يجد مع ذلك مبرره القوي في أنه يتمثل رفقا بمدين تعسر به الحظ اذا شاءت ظروف طارئة غير متوقعة أن تهدده بخسارة فادحة بعيدة عن كل حسبان وهو بهذه المثابة يتضمن تخفيفا من شدة نصوص القانون وصرامة أحكامه ويطبع تنفيذ العقد بطابع العدالة والرحمة الإنسانية.

والمعيار في اعتبار ما اذا كان الحادث الاستثنائي متوقعا أو غير متوقع الحصول وقت التعاقد هو ألا يكون في مقدور الشخص العادي أن يتوقع حصوله وهو في ظروف المدين وقت التعاقد بصرف النظر عن توقع المدين فعلا حصول الحادث الاستثنائي أو عدم توقعه ومناط الإرهاق الذي يهدد المدين بخسارة فادحة من الاعتبارات الموضوعية.

أما شروط اعمال نظرية الحوادث الاستثنائية طبقا لنص المادة 198 مدني والمقابلة لنص المادة 147 مدني مصري فهي:

٭ قيام العقد وعدم انتهائه.

٭ حدوث ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها عند إبرام العقد.

٭ أن يترتب على حدوث هذه الظروف الاستثنائية إرهاقا في تنفيذ الالتزام الناشئ عن هذا العقد بحيث لا يصبح مستحيلا وإنما يصبح مرهقا للمدين ويهدده بخسارة فادحة.

وعلى ذلك، فإن نص المادة 198 من القانون المدني ينطبق تمام الانطباق على الآثار المترتبة على وباء كورونا المستجد (وهي نظرية الحوادث الاستثنائية أو الطارئة).

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه تنص المادة 147/2 من القانون المدني على أنه: «اذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي، وان لم يصبح مستحيلا صار مرهقا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول».

وقضى كذلك، اذ نصت المادة 147/2 من القانون المدني على أنه «اذا طرأت حوادث استثنائية عامة ولم يكن في الواقع توقعها وترتب على ذلك تهديد المدين بخسارة فادحة جاز للقاضي أن يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول».

ثانيا: هل تنطبق نظرية الظروف الاستثنائية أو الطارئة المنصوص عليها في المادة 198 مدني على عقود العمل؟

النص الوارد في المادة 198 مدني جاء بصفه عامة يفهم منها أنه ينطبق على كافة أنواع العقود. مع الأخذ في الاعتبار أن عقود العمل وحقوق العمال قد نظمها القانون رقم 6 لسنة 2010 وهو قانون خاص – وطبقا للقاعدة العامة فإن الخاص يقيد العام.

وتنص المادة 61 من قانون العمل رقم 6 لسنة 2010 على أنه: «يلتزم صاحب العمل بدفع أجور عماله خلال فترة الاغلاق اذا تعمد اغلاق المنشأة لإجبار العمال على الرضوخ والإذعان لمطالبه، كما يلتزم بدفع أجور عماله طوال فترة تعطيل المنشأة كليا أو جزئيا لأي سبب آخر لا دخل للعمال فيه ومادام رغب صاحب العمل في استمرار عملهم لديه».

أي ان المادة 61 سالفة الذكر تقرر حق العامل في استحقاق أجره كاملا اذا قام رب العمل بإغلاق المنشأة أو تعطيلها لسبب لا دخل للعامل فيه وسواء كان هذا الاغلاق أو التعطيل جزئيا أو كليا طبقا لقاعدة (لا اجتهاد مع وضوح النص).

وقد استقرت أحكام محكمة التمييز الكويتية على أنه:

«القاضي مطالب أساسا بالرجوع للنص القانوني الذي ينطبق على واقعة النزاع في الدعوى وفي حدود عبارة النص فإذا كانت واضحة الدلالة فلا يجوز الأخذ بما يخالفها أو تقييدها لما في ذلك من استحداث لحكم جديد مغاير لمراد المشرع عن طريق التفسير والتأويل بما لا تحتمله عباراته الصريحة الواضحة بأنه لا مجال للاجتهاد مع وضوح تلك العبارات».

وعلى ذلك، فإن العامل يستحق أجرة كاملا وفقا لصريح نص المادة 61 سالفة الذكر.

وهذا الأمر قد يكون مقبولا اذا كان إغلاق المنشأة قد تم بإرادة وفعل رب العمل، ورغبة رب العمل في الإبقاء على عمل العامل لديه.

أما اذا كان إغلاق المنشأة أو ايقاف النشاط قد تم بقرار من السلطة العامة للدولة كإجراء احترازي، ذهب رأي الى أنه اذا كان الإغلاق كليا فإن عقود العمال الذين يعملون في تلك المنشأة تعتبر موقوفة مؤقتا كون تلك القرارات تعتبر مانعا مؤقتا لتنفيذ عقود العمل خاصة أن أحكام محكمة التمييز قد استقرت على أن الأجر مقابل العمل ومادام العامل لم يؤد عملا خلال مدة زمنية معينة فانه لا يستحق أجرا عن تلك المدة.

ونحن نرى أنه من قواعد العدالة الاجتماعية والمواءمة بين مصالح كل من أرباب العمل والعمال لديهم أن يتم الاتفاق الودي بينهم نظرا لظروف العمل على تخفيض راتب العامل مؤقتا لحين انتهاء تلك الظروف الاستثنائية خاصة أن إغلاق المنشأة يهدد أرباب العمل بخسارة فادحة. مع الأخذ في الاعتبار أن القرارات الصادرة من مجلس الوزراء قد صدرت محددة بمدد معينة يتم بعدها العودة الى ممارسة النشاط مرة أخرى.

ثالثا: هل يحق للمستأجر أن يطالب بتخفيض الإيجار نتيجة انتشار وباء كورونا تطبيقا لنظرية الظروف القاهرة (م 198 مدني)؟

أولا، يجب التفرقة بين عقود إيجار الأماكن المخصصة للسكن وعقود إيجار الأماكن غير المخصصة للسكن.

فمستأجرو الأماكن المخصصة للسكن لا يستطيعون المطالبة بتخفيض القيمة الإيجارية كونهم ينتفعون بالعين المؤجرة انتفاعا كاملا غير منقوص.

هذا على الرغم من وجود حظر التجوال وإغلاق المنشآت بقرار من السلطة العامة وما قد يترتب على ذلك من حق أرباب العمل في تخفيض أجور العاملين لديهم أو ايقاف عقود العمل مؤقتا.

ولذلك، فإن هذا الأمر راجع الى الإرادة المنفردة لملاك العقارات وما قد يستشعرونه من المحافظة على المستأجرين والتكاتف مع المجتمع والدولة من أجل عبور هذه الأزمة وما هو ملاحظ الآن من قيام بعض الملاك بتحفيض القيمة الإيجارية الى النصف.

أما مستأجرو الأماكن غير المخصصة للسكن (الأنشطة التجارية والاستثمارية) فتنص المادة 581 من القانون المدني على أنه:

٭ «اذا ترتب على عمل صدر من السلطة العامة في حدود القانون نقص كبير في انتفاع المستأجر جاز له أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة ما لم يكن عمل السلطة بسبب يعزى إليه».

٭ ولا يكون للمستأجر حق في التعويض من قبل المؤجر إلا اذا كان عمل السلطة العامة قد صدر لسبب يكون المؤجر مسؤولا عنه.

٭ وكل ما سبق ما لم يقض الاتفاق بغيره.

مؤداه، وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية لذلك القانون أن الأعمال الصادرة من السلطات العامة ومثلها القرارات الصادرة من جهة الإدارة والتي يترتب عليها حرمان المستأجر من انتفاعه بالمأجور أو الإخلال بالانتفاع به تعتبر من قبيل القوة القاهرة التي لا يكون المؤجر ملتزما بضمانها ولكنه يتحمل تبعتها فيكون المستأجر تبعا لجسامة الإخلال بالانتفاع أن يطلب فسخ الإيجار أو إنقاص الأجرة، ولكن بشرط ألا يكون عمل السلطة ناجما من عمل يعزى الى المستأجر، وأن يكون هناك نقص كبير بالانتفاع وكل هذا لم يتم الاتفاق على غيره.

كما أنه من المقرر أن الأجرة تكون مقابل الانتفاع بالمأجور وتستحق باستيفاء المنفعة أو بإمكان استيفائها فإن زالت المنفعة أو اختلت سقطت الأجرة أو انقصت.

ولما كان ذلك، وكان قد ترتب على وباء كورونا المستجد من صدور قرار مجلس الوزراء من تعليق وإيقاف العمل بالحكومة والقطاع العام والخاص وحظر التجوال بقرار من السلطات العامة وما ترتب على ذلك من إغلاق الأماكن المؤجرة لغير السكن وعدم انتفاع المستأجرين بها، لذلك كان من حق هؤلاء المطالبة إما بإسقاط الأجرة كليا أو إنقاصها تبعا لزوال المنفعة أو اختلالها.

وهذا هو ما استقرت عليه أحكام محكمة التمييز الكويتية.

كلمة أخيرة

قالت مجموعة الحصبان والسويفان القانونية إن ما جاء بهذه الدراسة ما هو إلا اجتهاد فإن وفقنا فيه للحق، فهذا من فضل الله، وان كان غير ذلك فمن أنفسنا ومن الشيطان.

وآملين كذلك من رجال القانون إبداء آرائهم في هذا الموضوع من أجل إثراء الساحة القانونية في الكويت. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

المصدر

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق